سيد محمد طنطاوي
77
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال صاحب الكشاف : الألسنة : اللغات . أو أجناس النطق واشكاله . خالف - عز وجل - بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد ، ولا جهارة ، ولا حدة ، ولا رخاوة ، ولا فصاحة . . ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله ، وكذلك الصور وتخطيطها ، والألوان وتنويعها ، ولاختلاف ذلك وقع التعارف ، ولو اتفقت وتشاكلت ، وكانت ضربا واحدا ، لوقع التجاهل والالتباس ، ولتعطلت مصالح كثيرة . . . وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا اللَّه مختلفون متفاوتون « 1 » . * ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) * الذي وضحناه لكم * ( لآياتٍ ) * بينات * ( لِلْعالِمِينَ ) * - بفتح اللام - وهي قراءة الجمهور ، أي : إن في ذلك لآيات لجميع أصناف العالم من بار وفاجر ، ومؤمن وكافر . وقرأ حفص - بكسر اللام - أي : إن في ذلك لآيات لأولى العلم والفهم من الناس . ثم ذكر - سبحانه - آية رابعة فقال : * ( ومِنْ آياتِه مَنامُكُمْ ) * أي : نومكم * ( بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ) * لراحة أبدانكم وأذهانكم ، * ( وابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِه ) * أي : وطلبكم أرزاقكم فيهما من فضل اللَّه وعطائه الواسع . قال الجمل : قيل في الآية تقديم وتأخير ، ليكون كل واحد مع ما يلائمه ، والتقدير : ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ، فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل ، وعطف عليه ، لأن حرف العطف قد يقوم مقام الجار ، والأحسن أن يجعل على حاله ، والنوم بالنهار مما كانت العرب تعده نعمة من اللَّه ولا سيما في أوقات القيلولة في البلاد الحارة » « 2 » . * ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) * كله * ( لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) * هذه التوجيهات سماع تدبر وتفكر واعتبار فيعملون بما يسمعون . ثم ساق - سبحانه - آية خامسة فقال : ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا . أي : ومن آياته - سبحانه - الدالة على قدرته ، أنه يريكم البرق ، فتارة تخافون مما يحدث بعده من صواعق متلفة ، وأمطار مزعجة ، وتارة ترجون من ورائه المطر النافع ، والغيث المدرار . وانتصاب « خوفا وطمعا » على أنهما مفعول لأجله ، أي : يريكم ذلك من أجل الخوف والطمع ، إذ بهما يعيش المؤمن حياته بين الخوف والرجاء ، فلا يبطر ولا ييأس من رحمة اللَّه . * ( ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً ) * كثيرا * ( فَيُحْيِي بِه ) * أي : بسبب هذا الماء * ( الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ) *
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 433 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 289 .